عماد الدين خليل
312
دراسة في السيرة
وقد وجد المنافقون في هزيمة المسلمين بأحد ميدانا فسيحا لإظهار أحقادهم وشكوكهم والكشف عن موقفهم الصريح من الأحداث . يقول الواقدي : « جعل ابن ابيّ والمنافقون معه يشمتون ويسرون بما أصاب المسلمين - في أحد - ويظهرون أقبح القول . ورجع من رجع من الصحابة وعامتهم جريح ، ورجع عبد اللّه ابن عبد اللّه بن أبيّ وهو جريح ، فبات يكوي الجراحة بالنار حتى ذهب الليل ، وجعل أبوه يقول : ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي ! ! عصاني محمد وأطاع الولدان ، واللّه لكأني كنت أنظر إلى هذا . فقال ابنه : الذي صنع اللّه لرسوله وللمسلمين خير . . . وجعل المنافقون يخذلون عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويأمرونهم بالتفرق عنه ، ويقولون لأصحابه : لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل ، حتى سمع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ذلك في أماكن ، فمشى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من المنافقين ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه مظهر دينه ومعزّ نبيه ، أليسوا يظهرون شهادة ألاإله إلا اللّه وأني رسول اللّه ؟ قال : بلى يا رسول اللّه ، وإنما يفعلون ذلك تعوذا من السيف ، فقد بان لك أمرهم وأبدى اللّه أضغانهم عند هذه النكبة . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نهيت عن قتل من قال لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه يا ابن الخطاب ! إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن » « 1 » . ويحدثنا ابن هشام كيف أن عبد اللّه بن أبي كان يتمتع بشرف في نفسه وفي قومه ، وكيف أنه كان يجلس على رأس قومه ، كل جمعة في المسجد ، وكيف كان ينتهز فرصة جلوس الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين الخطبتين فيقوم ويقول : « أيها الناس هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهركم أكرمكم اللّه وأعزكم به ، فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا » ثم يجلس . وكيف أنه عندما أراد تمثيل نفس الدور في الجمعة التي أعقبت هزيمة أحد أخذ المسلمون بثيابه من كل مكان وصاحوا : اجلس ! ! أي عدوّ اللّه لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت ! فيخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : واللّه لكأنما قلت بجرا « 2 » إن قمت أشدد أمره ! ! فلقيه رجل من الأنصار يردد هذه العبارة فقال له : ويلك ، ارجع يستغفر لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأجابه عبد اللّه : واللّه ما أبتغي أن يستغفر لي « 3 » . وقال ابن إسحاق : « كان يوم أحد
--> ( 1 ) الواقدي : 1 / 317 - 318 . ( 2 ) البجر : الشر . ( 3 ) ابن هشام : ص 193 - 194 ، الواقدي : 1 / 318 - 319 .